السبت، 11 أبريل 2015

المؤسسات السيادية في عهد النبوة

 بسم الله الرحمن الرحيم

المؤسسات السيادية في عهد النبوة


فيما يلي قطوف من كتاب "المؤسسية والمؤسسات في الحضارة الإسلامية" للدكتور/ محمد عمارة، حيث تحدث عن مؤسسات الدولة الإسلامية، وخاصة مؤسسة الحكم في صدر الدولة الإسلامية، كيف كان شكلها واختصاصاتها؟



يبدأ الدكتور عمارة الحديث بمحاولة للإجابة عن الإتهام الأشهر الموّجه للدولة في الإسلام من قبل العلمانيين العرب، وهو:ـ


يقول غُلاة العلمانيين أن 99% من تاريخ الإسلام، ظلام!ـ
وأن بداية السقوط هي الفتنة الكبرى أو تحول الخلافة الراشدة إلى مُلكٍ عضود، فكيف تحاولون إحياء ما ثبت فشله؟
يقول د. عمارة:ـ
إذا كانت حضارتنا الإسلامية، التي أنارت الدنيا لأكثر من 10 قرون..وتالتي أحيت مواريث الحضارات القديمة من الموات..والتي تعلّمت منها الدنيا – ولا تزال تتعلم – إذا كانت هذه الحضارة التي وضع الوحي نواتها لم تتبلور علومها وفنونها وآدابه ومناهجها وتقنياتها في عهد لخلافة الراشدة!..وإنما حدث هذا في عهود “المُلك العضود” – الأمويّة والعباسية - ..فكيف يسطع النور الباهر في الليل البهيم؟!.. وكيف تزدهر رياض الإبداعات – الدينية والمدنية – على أرض النَّطْع والسَّيَّاف؟؟..
إنها معادلة مستحيلة! ـ



السؤال الآن: لماذا إدعى غُلاة العلمانية هذا الإدعاء الباطل بالمخالفة لحقائق التاريخ؟


1) سوء نية لقطع الطريق على إسلامية النهضة. (لم تنجح سابقاً حتى تعتقدوا في نجاحها حالياً)ـ


٢) الأسلوب الذي كُتب به التاريخ، فأغلب مدونات التاريخ كتبت عن تاريخ السلطة والسلطان، وغاب عنها:ـ


أ] تاريخ الأمة، والذي دُوِّن في "كتب الطبقات"، كطبقات الفقهاء، الأطباء، الفلاسفة، الشعراء، الحرفيين وحتى المُغنّيين!

ـب] صورة الواقع، واقع الدوواين، المؤسسات، المساجد، العمارة، الصناعة، الزراعة، التكايا، البيمارستانات، وهذا دُوِّن في "معاجم البلدان" و "موسوعات الخطط".ـ


التاريخ الإسلامي، هو تأريخ لثلاثة جوانب:ـ
١) الأمة: الشعوب والقبائل، وطبقات المُبدعين
٢) الواقع: المؤسسات
٣) السُلطة والدولة: محدودة الحجم، ومن ثَمَّ كان انحرافها المبكر محدود التأثير
الإنحراف المبكر للدولة لم يُدخل بأمتنا عصر الظلمات والسبب أنّ الأمة هي التي بنت الحضارة
يمتاز التاريخ الإسلامي بخاصية متفردة وهي: تحجيم الدولة وتعظيم الأمةوهو ما يُفسر بناء أعظم الحضارات في ظل دولة المُلك العضود


أمثلة: لم يُذكر في تاريخ عمر بن عبد العزيز، ترجمته للطب ومحاولات تعريب العلوم


لم يُذكر في سيرة الحجاج بن يوسف، ما قام به في ضبط وتنقيط المصحف، وعمران الثغور وسك النقود.


يقول الكواكبي: "إن الجمعيات تفي بما لا يفي به عُمْر الأفراد


يتميز الإسلام عن غيره من الملل بأنه "دين الجماعة"، فالإسلام وثيق الصلة بفكرة الأمة والمؤسسات


فالتكاليف فردية (فرض عين)،
وجماعية (فرض كفاية)ـ
الفروض الفردية ثوابها أكبر مع الجماعة
فروض الكفاية (فروض الأمة) أعلى وأهم، لأن وزر تركها يعود على الأمة قاطبة


فروض الكفاية ليست صلاة الجنازة وحسب، بل إقامة الدولة والجهاد من أهم فروض الكفايات


الدولة علامة فارقة في تاريخ النبوات والرسالات


الأنبياء قبل سيدنا محمد ﷺ جاءوا بشرائع ولم يُقيموا دولاً،
ولكن خاتم الأنبياء أقام دولة، فالشريعة الخاتمة كان لابد لها من دولة تحرسها وفي نفس الوقت تُساس بهذه الشريعة


أقام النبي ﷺ ثلاثة مؤسسات في دولة النبوة:ـ
 ١) المهاجرون الأولون
 ٢) النقباء الإثني عشر
 ٣) مجلس شورى، أو مجلس السبعين


ولِدت هذه المؤسسات في بيعة العقبة


1) المهاجرون الأولون: عشرة من زعماء بطون قريش، من أوائل المسلمين والمهاجرين، عُرفوا في التاريخ بالعشرة المبشرين بالجنة!ـ
تحول ذكرهم من هيئة تأسيسية دستورية إلى وصف لا أثر له على واقع الأمة، فكل المسلمون مبشرين بالجنة!ـ
أطلق عليهم أبوبكر -رضي الله عنه- لقب "مؤسسة الأمراء
كانت بيوتهم حول المسجد النبوي، وتفتح أبوابها على المسجدكانوا خلف الرسول ﷺ في الصلاة وأمامه في القتال


٢) مجلس النقباء الإثني عشر، تم انتخابه في بيعة العقبة من ثلاثة وسبعون رجلاً وإمرأتين


شاركت المرأة في تأسيس الدولة وكان لها حق التصويت. (أم عمارة نسبية بنت كعب وأسماء بنت يزيد)ـ
أطلق أبوبكر -رضي الله عنه- عليهم إسم "مؤسسة الوزراء"، وكانوا كلهم من الأنصار،


٣) مجلس السبعين، كان يجتمع في المسجد النبوي وفي أوقات محددة (برلمان)، وتُعرض عليه قضايا الأمة من فتوح ومعاهدات.


مثال: بعد فتح فارس في عهد عمر رضي الله عنه، استشار مجلس السبعين في معاملة المجوس، هل تكون كمعاملة أهل الكتاب أم لا؟


كان الفاروق يجتمع بأمراء الولايات في الحج، يسمع منهم، ويعرض على مجلس الشورى قضايا الأمة والأمصار.



تم إختيار الخلفاء الأربعة بنفس الطريقة، خلاف ما يعتقد الكثيرون!ـ
بعد وفاة الرسول ﷺ، قال الصدّيق رضي الله عنه: منّا الأمراء (المهاجرون الأولون) ومنكم الوزراء (النقباء الأنصار)


كانت مؤسسة الأمراء بمثابة "اللجنة المركزية" تقوم بالاتفاق على اسم الخليفة وتُرشّحه، ثم يعلن اسمه للبيعة العامة.


قبل وفاة أبوبكر، جمع العشرة واتفقوا على عمر -رضي الله عنه


قبل وفاة عمر، جمع من بقي منهم حياً (ستة) واتفقوا على عثمان -رضي الله عنه


بعد استشهاد عثمان، جاء الثوّار لسيدنا علي -رضي الله عنهما- يبايعنوه فقال لهم: هذا ليس لكم، بل للمهاجرين الأولين


--------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
كان هذا عن مؤسسة الحكم في صدر الإسلام، وبالطبع كانت هناك مؤسسات أخرى في الدولة الإسلامية كمؤسسة القضاء ومؤسسة الزكاة، والوقف الإسلامي (وهي المؤسسة الأهلية الأم التي موّلت صناعة وتجديد الحضارة الإسلامية وحققت العدل الإجتماعي على نحو لم يحدث في تاريخ الحضارات).ـ


من ضمن المؤسسات أيضاً مؤسسة الحسبة (مؤسسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) وكانت الأسواق خاضعة لها، وقد تولّى أمرها في عهد الرسول ﷺ إمرأة "سمراء بنت نُهَيْك"، وفي عهد عمر رضي الله عنه تولتها "الشفاء بنت عبد الله".


كانت هناك أيضاً مؤسسة لحقوق المرأة! ورد ذكرها في كتب السنة في (باب وافدة النساء)، حيث ذهبت أسماء بنت يزيد (التي شاركت أم عمارة في بيعة العقبة) ذهبت لرسول الله ﷺ وقالت له:ـ"أنا رسول مَنْ خلفي مِنْ نساء المؤمنين يقلن بقولي وهن على مثل رأيي، إن الله بعثك للرجال والنساء، وقد غلبنا الرجال عليك، فاجعل لنا يوماً ......" إلى آخر القصة المعروفة.


هنا نُدرك أن جمعية نسائية قد انعقدت لبحث مشكلة نسوية والوصول لحل، واُتخِذت قرارات وفوّضت النساء من يُمثلهن..


وفي التاريخ الحديث، كان الإسلاميون أول من أنشأ الأحزاب الإسلامية وليس العلمانيون!ـ

فقد أسس الأفغاني في سبعينيات القرن التاسع عشر (الحزب الوطني الحر) أول حزب في الشرق.


إذن نحن لسنا فقراء في حضارتنا، ففكرة المؤسسة وثيقة الصلة بالدعوة الإسلامية، والإسلام دين الجماعة هو الذي أسس الأمة الإسلامية، وهو ما يُميّزه عن اليهودية والنصرانية.



الكتاب:
المؤسسية والمؤسسات في الحضارة الإسلامية
د. محمد عمارة

الكتاب هو تفريغ نصي لمحاضرة ألقاها د. محمد عمارة في المعهد العالمي للفكر الإسلامي في 2008

http://www.eiiit.org/resources/eiiit/eiiit/news_read.asp?id=54

رابط آخر
http://www.epistemeg.com/pix/pdf_221.pdf

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق