بسم الله الرحمن الرحيم
الخلافة والمُلك...مفهوم الدولة في الإسلام!
كتبت سابقاً:-
ـ"لم يعرف الإسلام السلّطة الدينية في تاريخه! الخلفاء الراشدين وحتى من جاء بعدهم لم يكونوا فقهاء! لو كان هناك دولة دينية لبايع المسلمون عبدالله بن عباس!!"ـ
واعترض بعض الأصدقاء على العبارة، ومعهم الحق..
واسمحوا لي بتوضيح مقصدي.
بدايةً، أعتذر عن أي سوء فهم ناتج عن ضعفي في صياغة ما أردت قوله..
ما قصدته كالآتي:ـ
نظام الحكم في الإسلام باختصار
-كما أفهمه- هو الخلافة وليس المُلك، بمعنى أنك لا تستطيع كحاكم أن تحكم
بما تريد لأانك لا تملك حق تقرير مصير العباد، بل هذا الحق لله وحده،
وبالتالي أنت "خليفة" لله، تحكم وفق منهجه هو لأنه صاحب الأمر والملك، ليس
أنت!ـ
كل مسلم هو "مُستخلف" من الله
في هذه الحياة التي هي دار إمتحان، ومزرعة للآخرة، فكلنا كما قال الرسول
-صلى الله عليه وسلم: راعي ومسؤول عن رعيّته، أنا كزوج وأب في أسرتي
"خليفة" ولست ملكاً! .. لا أستطيع أن أعامل زوجتي ولا أولادي كما أريد ،
ولكن وفقاً لحدود الشرع، حتى في أدق تفاصيل حياتنا الشخصية.
الشريعة الإسلامية - بشكل عام- لا تضع طريقاً واحداً ليسير عليه البشر،
بقدر ما تضع حدوداً ينبغي ألا نتجاوزها! .. إذا حصل خلاف بين الرجل وزوجته
فالشريعة لم تُلزم الطرفين بحل واحد أو وسيلة واحدة للعلاج، بل تجد عدة
وسائل متاحة للنصح والتأديب وإستشارة حكم من أهل الطرفين، أو مراحل تأديب
الزوجة،، حتى إذا ما تفاقمت الأمور تجد أمامك طريقين: إمساك بمعروف أو
تسريح بإحسان..
إذاً الإسلام -بشكل
عام في شئون الحياة- رسم لك حدوداً وقدّم لك بدائل تختار منها ما يناسب
ظروفك بشكل يحقق مقاصد الشريعة الأساسية.. لكنه لم يجبرك على سلوك طريق
واحد بعينه!ـ
--------------
بالطبع الأمور ليست كذلك على إطلاقها، فهناك آيات محكمات وفروض واضحة بأعداد وأنصبة، كركعات الصلاة ونسب الزكاة، والميراث،، وغيرها..
--------------
في نفس الوقت لم يترك لك الإسلام حرية غير منضبطة للتصرف، إذاً أنت لست ملكاً في أي شيء (زوجة، أولاد، مال، ،،، وحتى نفسك! أنت لا تملكها) كلّه ملكٌ لله وحده، وأنت مُستخلفٌ فيه!ـ
الحديث الشهير "لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع خصال : عن عمره ، فيم أفناه ؟ وعن شبابه ، فيم أبلاه ؟ وعن ماله ، من أين ؟ وفيم أنفقه ؟ وعن علمه ، ماذا عمل فيه ؟"...
يعني أنك لا تملك شيئاً لا عمرك ولا مالك ولا أي شي بدليل أنك ستُسأل عليه يوم القيامة!قارن هذا بقوله تعالى "لا يسأل عما يفعل وهم يسألون".... المالك الحق لا يسأله أحد عن التصرف في ملكه!
المهم، هناك فرق بين "الخلافة=الحكم بمنهج الله"، والمُلك بالمفهوم الدارج!
وأيضاً هناك فرق بين الدعوة لأن يحكمنا "الإسلام"، وأن يحكمنا "علماء الإسلام"!!ـ
علماء الإسلام على مر التاريخ لم يكونوا على سدة الحكم ، بل كانوا أغلب الوقت في السجون!!،ـ
أن يحكمنا الإسلام ببساطة شديدة يعني أن تكون إستجابتنا لقوله تعالى "وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة"، كاستجابتنا لقوله تعالى:"وأحل الله البيع وحرم الربا"، فالقائل واحد وهو الواحد الأحد مالك الملك!!
هذه النقطة لتوضيح الفرق بين الخلافة والملك من منظور إسلامي، ليس على مستوى الدولة فحسب، بل على مستوى الفرد!ـ
بالنسبة لمستوى الدولة، فأهل السياسة عرّفوا الدولة الدينية أو الحكم الثيوقراطي بمعنى =حكم يستمد سلطته من الإله مباشرة.. (ثيو=دين، قراط=حُكم)ـ
بالعودة للسيرة النبوية يتضح جلياً أن الصحابة رضوان الله عليهم فقهوا هذا المصطلح كما فقهوا "مدنية" الدولة إن صح التعبير..
ورد
في مناسبات عديدة عندما كان الرسول-صلى الله عليه وسلم- يأمر بشيء، أن
يسأله الصحابة: أمن الله؟ أم الرأي والمشورة؟ (منزل جيش المسلمين في غزوة
بدر، ومحاولة الصلح مع اليهود في غزوة الخندق مقابل ثلث ثمار المدينة،،،،
وأمثلة أخرى)...ـ
فقه الصحابة أن أمر الله لا مرد له، وماعدا ذلك فهو قابل للأخذ والرد..
لو افترضنا جدلاً أن الإسلام هو تجسيد للدولة الدينية، كيف كان سيكون شكل التاريخ الإسلامي بدايةً من العهد النبوي؟
ببساطة
شديدة لن يكون هناك أمرٌ من الله وأمر للرأي والمشورة، بل كل ما ينطق به
الرسول هو "أمرٌ" مباشر من الله واجب التنفيذ، فالرسول يتكلم بإسم الله في
كل شيء..، وعندها -على سبيل المثال- تصبح أحاديث كـ"تزوجوا فإني مباه بكم
الأمم..." فرض عين، ومن لم يتزوج فقد خرج من الملة!ـ
وبعد
وفاة الرسول، أي حاكم سيكون حاكماً بأمر الله، يستمد شرعيته من الله،
وأحكامه هي فروض إلهية واجبة التنفيذ، وبالتالي لن يكون هناك شورى!، شورى
في ماذا؟ وهل يُستشار الله في حكمه؟
ولكن هذا لم يحدث!ـ
وبالتالي ليس في الإسلام حكم ثيوقراطي أو حكومة دينية، بالمعنى الذي عرفته أوروبا على يد الكنيسة..
البابا في الفاتيكان أو حتى في مصر هو معصوم،
وأحكامه "إلهية" عند أتباعه، عندما منع شنودة الحج للقدس لم يكن هذا على
سبيل الترغيب، بل هو أمر وفرض لا نقاش فيه!.. شنودة كان يملك سطلة
"الحرمان" لأي مسيحي يخالف تعاليم الكنيسة، والحرمان يعني إخراجه من
الملّة، وعدم الصلاة عليه وعدم دفنه في مقابرهم (كما حدث مع القس إبراهيم
عبد السيد في تسعينيات القرن الماضي)..ـ
لن تجد مثيلاً لهذه الممارسات في الإسلام.
نأتي للنقطة التي أثارت جدلاً، وهو :-
ـ"لو كان هناك دولة دينية لبايع المسلمون عبدالله بن عباس!!"ـ
ما
قصدته هنا أن المسلمين في صدر الدولة فهموا متطلبات الخلافة على حقيقتها،
كيف لا وقد شاهدوا الرسول صلى الله عليه وسلم يقول لأبي ذر الغفاري عندما
طلب الولاية: "إنك ضعيف وإنها أمانة. وإنها يوم القيامة لخزي وندامة. إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها".... ولم يُعد هذا طعناً في صدقه أو أمانته أو إيمانه!ـ
لم
تكن هذه هي معايير إختيار المرء للولاية العامة، وما قصدته بـ "لم يكونوا
فقهاء" يعني لم يكونوا متخصصين في علوم الحديث أو القرآن أو كما نقول الآن
"علماء دين"، فلو كان الأمر كذلك لكان من الصحابة أمثال: عبد الله بن عباس ،
وعبد الله بن عمر وهما إلى جانب فقههما كانا من رواة الحديث، ومن المحدثين
أبو هريرة وأنس بن مالك خادم الرسول،...
بالنظر لعدد الأحاديث التي رواها الخلفاء الأربعة مجتمعين فلن تزيد عن الأحاديث التي رواها عبد الله بن عمر على سبيل المثال!ـ
إذاً، كان هناك معيار آخر للإختيار؟!ـ
هو ما نعرفه هذه الأيام بـ"رجل الدولة"
لم يكن أحد من الصحابة ينكر "قرب" الخلفاء الراشدين من الرسول -صلى الله
عليه وسلم- في حياته كـ"مستشارين" في الحرب والسلم، وهي أمور إدارة
الدولة،، بخلاف قربه من كتبة الوحي أو مؤذنه سيدنا بلال رضي الله عنهم
أجمعين..
أعتذر فقد أخطأت التعبير بقولي أنهم لم يكونوا فقهاء، فلا أحد ينكر فقه الفاروق أو فقه الإمام علي رضي الله عنهما،
ما قصدته أنهم لم يكونوا "رجال دين" بالمعنى الدارج الآن، وحتى لو لم يكن
هذا المصطلح موجوداً وقتها، فقد أدركوا الفرق بين أن يكون المسلم حافظاً
لحدود الله بصرف النظر عن عمله ومنصبه وعلمه، وأن يكون متمكناً من فنٍ من
الفنون كعلم الحديث أو الزكاة أو تفسير القرآن،،،، أو إدارة الدولة والقرب
من دوائر صنع القرار..
وهكذا يمكن القول أيضاً أن الإسلام لم يعرف الدولة "العسكرية"!ـ
فلو
كان الأمر كذلك لتولى خالد بن الوليد الحكم بعد وفاة الرسول -صلى الله
عليه وسلم، خاصةً وأنها فترة حرجة في تاريخ الإسلام وقد إرتدت الجزيرة
العربية، وينبغي أن يرى العرب حاكماً عسكرياً قوياً على رأس الدولة!!ـ
لم يفكر أحد بهذه الطريقة، كما لا يعني هذا أن الخلفاء الراشدين لم يكونوا مقاتلين!!ـ
مصطلح دولة "المؤسسات"
كان مُطبقاً منذ اللحظة الأولى لميلاد الدولة في الإسلام، في بيعة العقبة،
وما تلاها،وفي هذا فصّل د.محمد عمارة في محاضرته "المؤسسية والمؤسسات في
الحضارة الإسلامية".
المشكلة تكمن في محاولة قولبة شكل الدولة ونظام الحكم في الإسلام، بمعايير العلوم السياسية في العصر الحديث،:
هل هي دولة مدنية =علمانية؟
أم دولة مدنية = غير عسكرية؟
أم دولة دينية = ثيوقراطية = كهنوتية؟؟
أو كمحاولة البعض وسم نظرة الإسلام للإقتصاد بـ "الرأسمالية/ السوق الحر، الإشتراكية،،،،" فكيف وهو -=الإسلام- نظام من وضع رب الناس يخضع لمعايير من وضع الناس؟؟
هذه الإشكالية -باختصار- ناشئة عن إستيراد مصطلحات نشأت في الغرب تحت مظلة صراع بين الكنيسة وبين الثائرين على الحكم الثيوقراطي،
ظروف الصراع مختلفة، كما أن الإسلام كـ"دين" يختلف عن باقي الملل والنحل!
الإسلام دين ودولة ونظام متكامل للحياة، وليس مجرد شعائر وعبادات كباقي الملل..الإصرار
على رفض أي خصوصية للتجربة الإسلامية ومحاولة إخضاعها لمعايير الغرب
كمحاولة إخضاع قواعد اللغة العبرية على اللغة العربية، بإعتبار أنهما لغات
سامية!!
أرجو أن تكون فكرتي واضحة، ما كان فيها من صواب فمن الله، وما كان فيها من زلل فمن نفسي.ـ
والله تعالى أعلى وأعلم
د.أحمد جلال




