السبت، 11 أبريل 2015

الخلافة والمُلك...مفهوم الدولة في الإسلام!

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الخلافة والمُلك...مفهوم الدولة في الإسلام!

كتبت سابقاً:-
 
ـ"لم يعرف الإسلام السلّطة الدينية في تاريخه! الخلفاء الراشدين وحتى من جاء بعدهم لم يكونوا فقهاء! لو كان هناك دولة دينية لبايع المسلمون عبدالله بن عباس!!"ـ
واعترض بعض الأصدقاء على العبارة، ومعهم الحق..
واسمحوا لي بتوضيح مقصدي.

بدايةً، أعتذر عن أي سوء فهم ناتج عن ضعفي في صياغة ما أردت قوله..
ما قصدته كالآتي:ـ

نظام الحكم في الإسلام باختصار -كما أفهمه- هو الخلافة وليس المُلك، بمعنى أنك لا تستطيع كحاكم أن تحكم بما تريد لأانك لا تملك حق تقرير مصير العباد، بل هذا الحق لله وحده، وبالتالي أنت "خليفة" لله، تحكم وفق منهجه هو لأنه صاحب الأمر والملك، ليس أنت!ـ
كل مسلم هو "مُستخلف" من الله في هذه الحياة التي هي دار إمتحان، ومزرعة للآخرة، فكلنا كما قال الرسول -صلى الله عليه وسلم: راعي ومسؤول عن رعيّته، أنا كزوج وأب في أسرتي "خليفة" ولست ملكاً! .. لا أستطيع أن أعامل زوجتي ولا أولادي كما أريد ، ولكن وفقاً لحدود الشرع، حتى في أدق تفاصيل حياتنا الشخصية.

الشريعة الإسلامية - بشكل عام- لا تضع طريقاً واحداً ليسير عليه البشر، بقدر ما تضع حدوداً ينبغي ألا نتجاوزها! .. إذا حصل خلاف بين الرجل وزوجته فالشريعة لم تُلزم الطرفين بحل واحد أو وسيلة واحدة للعلاج، بل تجد عدة وسائل متاحة للنصح والتأديب وإستشارة حكم من أهل الطرفين، أو مراحل تأديب الزوجة،، حتى إذا ما تفاقمت الأمور تجد أمامك طريقين: إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان..

إذاً الإسلام -بشكل عام في شئون الحياة- رسم لك حدوداً وقدّم لك بدائل تختار منها ما يناسب ظروفك بشكل يحقق مقاصد الشريعة الأساسية.. لكنه لم يجبرك على سلوك طريق واحد بعينه!ـ
--------------
بالطبع الأمور ليست كذلك على إطلاقها، فهناك آيات محكمات وفروض واضحة بأعداد وأنصبة، كركعات الصلاة ونسب الزكاة، والميراث،، وغيرها..
--------------
في نفس الوقت لم يترك لك الإسلام حرية غير منضبطة للتصرف، إذاً أنت لست ملكاً في أي شيء (زوجة، أولاد، مال، ،،، وحتى نفسك! أنت لا تملكها) كلّه ملكٌ لله وحده، وأنت مُستخلفٌ فيه!ـ

الحديث الشهير "لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع خصال : عن عمره ، فيم أفناه ؟ وعن شبابه ، فيم أبلاه ؟ وعن ماله ، من أين ؟ وفيم أنفقه ؟ وعن علمه ، ماذا عمل فيه ؟"...
يعني أنك لا تملك شيئاً لا عمرك ولا مالك ولا أي شي بدليل أنك ستُسأل عليه يوم القيامة!قارن هذا بقوله تعالى "لا يسأل عما يفعل وهم يسألون".... المالك الحق لا يسأله أحد عن التصرف في ملكه!

المهم، هناك فرق بين "الخلافة=الحكم بمنهج الله"، والمُلك بالمفهوم الدارج!

وأيضاً هناك فرق بين الدعوة لأن يحكمنا "الإسلام"، وأن يحكمنا "علماء الإسلام"!!ـ
علماء الإسلام على مر التاريخ لم يكونوا على سدة الحكم ، بل كانوا أغلب الوقت في السجون!!،ـ
أن يحكمنا الإسلام ببساطة شديدة يعني أن تكون إستجابتنا لقوله تعالى "وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة"، كاستجابتنا لقوله تعالى:"وأحل الله البيع وحرم الربا"، فالقائل واحد وهو الواحد الأحد مالك الملك!!

هذه النقطة لتوضيح الفرق بين الخلافة والملك من منظور إسلامي، ليس على مستوى الدولة فحسب، بل على مستوى الفرد!ـ



بالنسبة لمستوى الدولة، فأهل السياسة عرّفوا الدولة الدينية أو الحكم الثيوقراطي بمعنى =حكم يستمد سلطته من الإله مباشرة.. (ثيو=دين، قراط=حُكم)ـ
بالعودة للسيرة النبوية يتضح جلياً أن الصحابة رضوان الله عليهم فقهوا هذا المصطلح كما فقهوا "مدنية" الدولة إن صح التعبير..
ورد في مناسبات عديدة عندما كان الرسول-صلى الله عليه وسلم- يأمر بشيء، أن يسأله الصحابة: أمن الله؟ أم الرأي والمشورة؟ (منزل جيش المسلمين في غزوة بدر، ومحاولة الصلح مع اليهود في غزوة الخندق مقابل ثلث ثمار المدينة،،،، وأمثلة أخرى)...ـ
فقه الصحابة أن أمر الله لا مرد له، وماعدا ذلك فهو قابل للأخذ والرد..

لو افترضنا جدلاً أن الإسلام هو تجسيد للدولة الدينية، كيف كان سيكون شكل التاريخ الإسلامي بدايةً من العهد النبوي؟
ببساطة شديدة لن يكون هناك أمرٌ من الله وأمر للرأي والمشورة، بل كل ما ينطق به الرسول هو "أمرٌ" مباشر من الله واجب التنفيذ، فالرسول يتكلم بإسم الله في كل شيء..، وعندها -على سبيل المثال- تصبح أحاديث كـ"تزوجوا فإني مباه بكم الأمم..." فرض عين، ومن لم يتزوج فقد خرج من الملة!ـ
وبعد وفاة الرسول، أي حاكم سيكون حاكماً بأمر الله، يستمد شرعيته من الله، وأحكامه هي فروض إلهية واجبة التنفيذ، وبالتالي لن يكون هناك شورى!، شورى في ماذا؟ وهل يُستشار الله في حكمه؟

ولكن هذا لم يحدث!ـ
وبالتالي ليس في الإسلام حكم ثيوقراطي أو حكومة دينية، بالمعنى الذي عرفته أوروبا على يد الكنيسة..
البابا في الفاتيكان أو حتى في مصر هو معصوم، وأحكامه "إلهية" عند أتباعه، عندما منع شنودة الحج للقدس لم يكن هذا على سبيل الترغيب، بل هو أمر وفرض لا نقاش فيه!.. شنودة كان يملك سطلة "الحرمان" لأي مسيحي يخالف تعاليم الكنيسة، والحرمان يعني إخراجه من الملّة، وعدم الصلاة عليه وعدم دفنه في مقابرهم (كما حدث مع القس إبراهيم عبد السيد في تسعينيات القرن الماضي)..ـ
لن تجد مثيلاً لهذه الممارسات في الإسلام.


نأتي للنقطة التي أثارت جدلاً، وهو :-
ـ"لو كان هناك دولة دينية لبايع المسلمون عبدالله بن عباس!!"ـ
ما قصدته هنا أن المسلمين في صدر الدولة فهموا متطلبات الخلافة على حقيقتها، كيف لا وقد شاهدوا الرسول صلى الله عليه وسلم يقول لأبي ذر الغفاري عندما طلب الولاية: "إنك ضعيف وإنها أمانة. وإنها يوم القيامة لخزي وندامة. إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها".... ولم يُعد هذا طعناً في صدقه أو أمانته أو إيمانه!ـ

لم تكن هذه هي معايير إختيار المرء للولاية العامة، وما قصدته بـ "لم يكونوا فقهاء" يعني لم يكونوا متخصصين في علوم الحديث أو القرآن أو كما نقول الآن "علماء دين"، فلو كان الأمر كذلك لكان من الصحابة أمثال: عبد الله بن عباس ، وعبد الله بن عمر وهما إلى جانب فقههما كانا من رواة الحديث، ومن المحدثين أبو هريرة وأنس بن مالك خادم الرسول،...
بالنظر لعدد الأحاديث التي رواها الخلفاء الأربعة مجتمعين فلن تزيد عن الأحاديث التي رواها عبد الله بن عمر على سبيل المثال!ـ
إذاً، كان هناك معيار آخر للإختيار؟!ـ
هو ما نعرفه هذه الأيام بـ"رجل الدولة" لم يكن أحد من الصحابة ينكر "قرب" الخلفاء الراشدين من الرسول -صلى الله عليه وسلم- في حياته كـ"مستشارين" في الحرب والسلم، وهي أمور إدارة الدولة،، بخلاف قربه من كتبة الوحي أو مؤذنه سيدنا بلال رضي الله عنهم أجمعين..

أعتذر فقد أخطأت التعبير بقولي أنهم لم يكونوا فقهاء، فلا أحد ينكر فقه الفاروق أو فقه الإمام علي رضي الله عنهما، ما قصدته أنهم لم يكونوا "رجال دين" بالمعنى الدارج الآن، وحتى لو لم يكن هذا المصطلح موجوداً وقتها، فقد أدركوا الفرق بين أن يكون المسلم حافظاً لحدود الله بصرف النظر عن عمله ومنصبه وعلمه، وأن يكون متمكناً من فنٍ من الفنون كعلم الحديث أو الزكاة أو تفسير القرآن،،،، أو إدارة الدولة والقرب من دوائر صنع القرار..

وهكذا يمكن القول أيضاً أن الإسلام لم يعرف الدولة "العسكرية"
فلو كان الأمر كذلك لتولى خالد بن الوليد الحكم بعد وفاة الرسول -صلى الله عليه وسلم، خاصةً وأنها فترة حرجة في تاريخ الإسلام وقد إرتدت الجزيرة العربية، وينبغي أن يرى العرب حاكماً عسكرياً قوياً على رأس الدولة!!ـ
لم يفكر أحد بهذه الطريقة، كما لا يعني هذا أن الخلفاء الراشدين لم يكونوا مقاتلين!!ـ

مصطلح دولة "المؤسسات" كان مُطبقاً منذ اللحظة الأولى لميلاد الدولة في الإسلام، في بيعة العقبة، وما تلاها،وفي هذا فصّل د.محمد عمارة في محاضرته "المؤسسية والمؤسسات في الحضارة الإسلامية".

المشكلة تكمن في محاولة قولبة شكل الدولة ونظام الحكم في الإسلام، بمعايير العلوم السياسية في العصر الحديث،:
هل هي دولة مدنية =علمانية؟
أم دولة مدنية = غير عسكرية؟
أم دولة دينية = ثيوقراطية = كهنوتية؟؟

أو كمحاولة البعض وسم نظرة الإسلام للإقتصاد بـ "الرأسمالية/ السوق الحر، الإشتراكية،،،،" فكيف وهو -=الإسلام- نظام من وضع رب الناس يخضع لمعايير من وضع الناس؟؟

هذه الإشكالية -باختصار- ناشئة عن إستيراد مصطلحات نشأت في الغرب تحت مظلة صراع بين الكنيسة وبين الثائرين على الحكم الثيوقراطي،
ظروف الصراع مختلفة، كما أن الإسلام كـ"دين" يختلف عن باقي الملل والنحل!

الإسلام دين ودولة ونظام متكامل للحياة، وليس مجرد شعائر وعبادات كباقي الملل..الإصرار على رفض أي خصوصية للتجربة الإسلامية ومحاولة إخضاعها لمعايير الغرب كمحاولة إخضاع قواعد اللغة العبرية على اللغة العربية، بإعتبار أنهما لغات سامية!!

أرجو أن تكون فكرتي واضحة، ما كان فيها من صواب فمن الله، وما كان فيها من زلل فمن نفسي.ـ
والله تعالى أعلى وأعلم



د.أحمد جلال

المؤسسات السيادية في عهد النبوة

 بسم الله الرحمن الرحيم

المؤسسات السيادية في عهد النبوة


فيما يلي قطوف من كتاب "المؤسسية والمؤسسات في الحضارة الإسلامية" للدكتور/ محمد عمارة، حيث تحدث عن مؤسسات الدولة الإسلامية، وخاصة مؤسسة الحكم في صدر الدولة الإسلامية، كيف كان شكلها واختصاصاتها؟



يبدأ الدكتور عمارة الحديث بمحاولة للإجابة عن الإتهام الأشهر الموّجه للدولة في الإسلام من قبل العلمانيين العرب، وهو:ـ


يقول غُلاة العلمانيين أن 99% من تاريخ الإسلام، ظلام!ـ
وأن بداية السقوط هي الفتنة الكبرى أو تحول الخلافة الراشدة إلى مُلكٍ عضود، فكيف تحاولون إحياء ما ثبت فشله؟
يقول د. عمارة:ـ
إذا كانت حضارتنا الإسلامية، التي أنارت الدنيا لأكثر من 10 قرون..وتالتي أحيت مواريث الحضارات القديمة من الموات..والتي تعلّمت منها الدنيا – ولا تزال تتعلم – إذا كانت هذه الحضارة التي وضع الوحي نواتها لم تتبلور علومها وفنونها وآدابه ومناهجها وتقنياتها في عهد لخلافة الراشدة!..وإنما حدث هذا في عهود “المُلك العضود” – الأمويّة والعباسية - ..فكيف يسطع النور الباهر في الليل البهيم؟!.. وكيف تزدهر رياض الإبداعات – الدينية والمدنية – على أرض النَّطْع والسَّيَّاف؟؟..
إنها معادلة مستحيلة! ـ



السؤال الآن: لماذا إدعى غُلاة العلمانية هذا الإدعاء الباطل بالمخالفة لحقائق التاريخ؟


1) سوء نية لقطع الطريق على إسلامية النهضة. (لم تنجح سابقاً حتى تعتقدوا في نجاحها حالياً)ـ


٢) الأسلوب الذي كُتب به التاريخ، فأغلب مدونات التاريخ كتبت عن تاريخ السلطة والسلطان، وغاب عنها:ـ


أ] تاريخ الأمة، والذي دُوِّن في "كتب الطبقات"، كطبقات الفقهاء، الأطباء، الفلاسفة، الشعراء، الحرفيين وحتى المُغنّيين!

ـب] صورة الواقع، واقع الدوواين، المؤسسات، المساجد، العمارة، الصناعة، الزراعة، التكايا، البيمارستانات، وهذا دُوِّن في "معاجم البلدان" و "موسوعات الخطط".ـ


التاريخ الإسلامي، هو تأريخ لثلاثة جوانب:ـ
١) الأمة: الشعوب والقبائل، وطبقات المُبدعين
٢) الواقع: المؤسسات
٣) السُلطة والدولة: محدودة الحجم، ومن ثَمَّ كان انحرافها المبكر محدود التأثير
الإنحراف المبكر للدولة لم يُدخل بأمتنا عصر الظلمات والسبب أنّ الأمة هي التي بنت الحضارة
يمتاز التاريخ الإسلامي بخاصية متفردة وهي: تحجيم الدولة وتعظيم الأمةوهو ما يُفسر بناء أعظم الحضارات في ظل دولة المُلك العضود


أمثلة: لم يُذكر في تاريخ عمر بن عبد العزيز، ترجمته للطب ومحاولات تعريب العلوم


لم يُذكر في سيرة الحجاج بن يوسف، ما قام به في ضبط وتنقيط المصحف، وعمران الثغور وسك النقود.


يقول الكواكبي: "إن الجمعيات تفي بما لا يفي به عُمْر الأفراد


يتميز الإسلام عن غيره من الملل بأنه "دين الجماعة"، فالإسلام وثيق الصلة بفكرة الأمة والمؤسسات


فالتكاليف فردية (فرض عين)،
وجماعية (فرض كفاية)ـ
الفروض الفردية ثوابها أكبر مع الجماعة
فروض الكفاية (فروض الأمة) أعلى وأهم، لأن وزر تركها يعود على الأمة قاطبة


فروض الكفاية ليست صلاة الجنازة وحسب، بل إقامة الدولة والجهاد من أهم فروض الكفايات


الدولة علامة فارقة في تاريخ النبوات والرسالات


الأنبياء قبل سيدنا محمد ﷺ جاءوا بشرائع ولم يُقيموا دولاً،
ولكن خاتم الأنبياء أقام دولة، فالشريعة الخاتمة كان لابد لها من دولة تحرسها وفي نفس الوقت تُساس بهذه الشريعة


أقام النبي ﷺ ثلاثة مؤسسات في دولة النبوة:ـ
 ١) المهاجرون الأولون
 ٢) النقباء الإثني عشر
 ٣) مجلس شورى، أو مجلس السبعين


ولِدت هذه المؤسسات في بيعة العقبة


1) المهاجرون الأولون: عشرة من زعماء بطون قريش، من أوائل المسلمين والمهاجرين، عُرفوا في التاريخ بالعشرة المبشرين بالجنة!ـ
تحول ذكرهم من هيئة تأسيسية دستورية إلى وصف لا أثر له على واقع الأمة، فكل المسلمون مبشرين بالجنة!ـ
أطلق عليهم أبوبكر -رضي الله عنه- لقب "مؤسسة الأمراء
كانت بيوتهم حول المسجد النبوي، وتفتح أبوابها على المسجدكانوا خلف الرسول ﷺ في الصلاة وأمامه في القتال


٢) مجلس النقباء الإثني عشر، تم انتخابه في بيعة العقبة من ثلاثة وسبعون رجلاً وإمرأتين


شاركت المرأة في تأسيس الدولة وكان لها حق التصويت. (أم عمارة نسبية بنت كعب وأسماء بنت يزيد)ـ
أطلق أبوبكر -رضي الله عنه- عليهم إسم "مؤسسة الوزراء"، وكانوا كلهم من الأنصار،


٣) مجلس السبعين، كان يجتمع في المسجد النبوي وفي أوقات محددة (برلمان)، وتُعرض عليه قضايا الأمة من فتوح ومعاهدات.


مثال: بعد فتح فارس في عهد عمر رضي الله عنه، استشار مجلس السبعين في معاملة المجوس، هل تكون كمعاملة أهل الكتاب أم لا؟


كان الفاروق يجتمع بأمراء الولايات في الحج، يسمع منهم، ويعرض على مجلس الشورى قضايا الأمة والأمصار.



تم إختيار الخلفاء الأربعة بنفس الطريقة، خلاف ما يعتقد الكثيرون!ـ
بعد وفاة الرسول ﷺ، قال الصدّيق رضي الله عنه: منّا الأمراء (المهاجرون الأولون) ومنكم الوزراء (النقباء الأنصار)


كانت مؤسسة الأمراء بمثابة "اللجنة المركزية" تقوم بالاتفاق على اسم الخليفة وتُرشّحه، ثم يعلن اسمه للبيعة العامة.


قبل وفاة أبوبكر، جمع العشرة واتفقوا على عمر -رضي الله عنه


قبل وفاة عمر، جمع من بقي منهم حياً (ستة) واتفقوا على عثمان -رضي الله عنه


بعد استشهاد عثمان، جاء الثوّار لسيدنا علي -رضي الله عنهما- يبايعنوه فقال لهم: هذا ليس لكم، بل للمهاجرين الأولين


--------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
كان هذا عن مؤسسة الحكم في صدر الإسلام، وبالطبع كانت هناك مؤسسات أخرى في الدولة الإسلامية كمؤسسة القضاء ومؤسسة الزكاة، والوقف الإسلامي (وهي المؤسسة الأهلية الأم التي موّلت صناعة وتجديد الحضارة الإسلامية وحققت العدل الإجتماعي على نحو لم يحدث في تاريخ الحضارات).ـ


من ضمن المؤسسات أيضاً مؤسسة الحسبة (مؤسسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) وكانت الأسواق خاضعة لها، وقد تولّى أمرها في عهد الرسول ﷺ إمرأة "سمراء بنت نُهَيْك"، وفي عهد عمر رضي الله عنه تولتها "الشفاء بنت عبد الله".


كانت هناك أيضاً مؤسسة لحقوق المرأة! ورد ذكرها في كتب السنة في (باب وافدة النساء)، حيث ذهبت أسماء بنت يزيد (التي شاركت أم عمارة في بيعة العقبة) ذهبت لرسول الله ﷺ وقالت له:ـ"أنا رسول مَنْ خلفي مِنْ نساء المؤمنين يقلن بقولي وهن على مثل رأيي، إن الله بعثك للرجال والنساء، وقد غلبنا الرجال عليك، فاجعل لنا يوماً ......" إلى آخر القصة المعروفة.


هنا نُدرك أن جمعية نسائية قد انعقدت لبحث مشكلة نسوية والوصول لحل، واُتخِذت قرارات وفوّضت النساء من يُمثلهن..


وفي التاريخ الحديث، كان الإسلاميون أول من أنشأ الأحزاب الإسلامية وليس العلمانيون!ـ

فقد أسس الأفغاني في سبعينيات القرن التاسع عشر (الحزب الوطني الحر) أول حزب في الشرق.


إذن نحن لسنا فقراء في حضارتنا، ففكرة المؤسسة وثيقة الصلة بالدعوة الإسلامية، والإسلام دين الجماعة هو الذي أسس الأمة الإسلامية، وهو ما يُميّزه عن اليهودية والنصرانية.



الكتاب:
المؤسسية والمؤسسات في الحضارة الإسلامية
د. محمد عمارة

الكتاب هو تفريغ نصي لمحاضرة ألقاها د. محمد عمارة في المعهد العالمي للفكر الإسلامي في 2008

http://www.eiiit.org/resources/eiiit/eiiit/news_read.asp?id=54

رابط آخر
http://www.epistemeg.com/pix/pdf_221.pdf

الأحد، 17 فبراير 2013

قواعد اللعب مع الجيش! (2/2) كيف يتعامل الجيش مع الثورات؟



بسم الله الرحمن الرحيم

قواعد اللعب مع الجيش! (2/2)
كيف يتعامل الجيش مع الثورات؟

الجيش في الأنظمة الشمولية والتي تقوم عليها ثورات، يكون جزء مهم من النظام، وعند حدوث الثورة يكون أمام الجيش خياران؛ إمّا التضحية برؤوس النظام مقابل ضمانات بالحفاظ على رموزه وكيانه من المساس، أو الدخول في صراع ضد الثورة خوفاً من الملاحقة فيما بعد.
بشكل عام، يتحدد خيار الجيش بترتيب الأوضاع داخل المؤسسة العسكرية (طائفية كما الحال في سوريا، أو كتائب موالية لشخص الزعيم كما كان الحال في ليبيا، أو جيش إحترافي كما هو الحال في تونس ومصر).
بالإضافة لعامل آخر مهم، وهو القوى السياسية على الساحة، هل تتخذ موقفاً واحداً فيما يتعلق بخروج المؤسسة العسكرية من الحكم، أم أن هناك أطراف تريد له البقاء؟

بإسقاط المعطيات على الوضع في مصر:
هتف المتظاهرون سابقاً "يسقط يسقط حكم العسكر"، في حين خرجت رموز سياسية تطالب بتسمية المشير طنطاوي رئيساً لمصر مدة عامين ، يُكتب خلالها الدستور (تحت حكم العسكر) وتستعد القوى السياسية للإنتقال الديموقراطي!
ما سمعته من أحد قيادات الإخوان في صالون سياسي (أثناء أزمة وثيقة السلمي) أن الإخوان عندها إستعداد للتحاور مع أي طرف حول أي موضوع ماعدا "تسليم السلطة لمدنيين"! فكرة بقاء الجيش في الحكم غير مطروحة للتفاوض أصلاً!
نظرة سريعة على التاريخ الحديث، قد تنير لنا جزء غامض في سلوك قوى "ثورية" هتفت سابقاً ضد العسكر، وتطالب مع النخبة الآن برجوع العسكر!

أشكال مختلفة لتعامل الجيش مع الثورات:
بلاد قامت فيها ثورات، ولم يمانع الجيش الإنتقال المدني للسلطة (أسبانيا، الأرجنتين واليونان).
بلاد قامت فيها ثورات، وكان الجيش منقسماً – داخليا – حول تسليم السلطة لمدنيين (البرازيل، أوروجواي، كوريا الجنوبية وإندونيسيا).
بلاد قامت بها ثورات وظلّ الجيش متمسكاً بالسلطة (باكستان، بنجلاديش وبورما).
بالعودة لمثلث الحكم سابقاً، كان الشعب هو صاحب القرار! عن طريق القوى السياسية!

قاعدة ذهبية : الجيش سيضطر لتسليم السلطة إذا كان البديل المدني قوياً ومتماسكاً!
وبالعكس:

الجيش لن يترك السلطة لبديل متشرذم وضعيف!

قبل المرحلة الأولى للإنتخابات الرئاسية، كانت هناك توقعات من البعض بأن مرسي وشفيق هما من سيصعدا للدور النهائي!
والسبب واضح جداً، أنهما الوحيدان ضمن مجموعة الـ 13 اللذان يستندان على قوة سياسية منظمة ومنتشرة في مصر (جماعة الإخوان المسلمين، والحزب الوطني مدعوماً بأجهزة الدولة "العميقة").
وصول أي مرشح آخر سواهما، كان سيجعل مهمة الجيش أو الدولة العميقة في الإطاحة به سهلة، أو على الأقل سيجعل منه "سكرتير" حتى يتم إعداد سيناريو مريح لخروجه من الصورة.
شفيق رغم وجود خلافات بينية مع بعض جنرالات الجيش، لكنه إبن النظام.
مشكلة مرسي أنّه من خارج النظام تماماً!
لا يوجد أي مرشح آخر كلاهما، يستند لتنظيم أو حزب قوي متماسك.
"ملاحظة هامشية: مرسي هو (الوحيد) ضمن مرشّحي الرئاسة الذي لم يسع للمنصب"!

طيب، الوضع الآن أن هناك بديل مدني وصل للحكم بعد ثورة شعبية،
وهناك أيضاً قوى داخل المؤسسة العسكرية لا تستسيغ فكرة أن يحكمها مدني بعد 60 سنة، وهو ليس أي مدني! بل من كانوا مُطاردين أمنياً ومن أُقيمت المعتقلات لهم!
ما الحل؟

بالنظر للدول التي قامت بها ثورات ، ولم يترك الجيش السلطة، كان السبب المحوري فيها هو "تفتت" القوى السياسية وتناحرها، وبالتالي لم يجد الجيش خصماً قوياً أمامه، وسكت الشعب عن هذا لأنه في المقابل ي مدنيأألا يجد قوة (قوة قوية) سياسية تمثّله!
بالعودة للمقال السابق "هل حقاً مرسي متردد وضعيف سياسياً؟"، سنجد أن معارضي التيار الإسلامي (فلول، إعلام، الأحزاب المدنية، جبهة الإنقاذ) تدفع باتجاه عودة الجيش، عن طريق!
1)    إضعاف القوة السياسية المدنية التي تسلمت الحكم (بإنتخابات).
2)    تفتيت القوى السياسية (إثارة فتن بين مختلف التيارات الإسلامية)
3)    الإصرار على دعوة الجيش للدخول تحت أي مظلة (رعاية حوار مجتمعي، حماية "مدنية الدولة")
وكما أشرت سابقاً أن رد الرئاسة والمؤسسة العسكرية على هذه الدعوات أبطل مفعولها – والحمد لله – حتى الآن!
الإخوة والأخوات من يرى أن مرسي لم يفعل شيئاً يُذكر مع الجيش، وأنّ هناك صفقة، والدليل أين المحاكمات؟
السؤال: ما البديل؟
هل تنتظرون أن يسلّم الجيش رجاله وملفاته "طواعية" لنظام وليد، بعد أن أمسك بتلابيب البلاد لمدة 60 سنة؟
بالبلدي كده: بمناسبة إيه؟ إيه اللي يجبره؟ مين اللي لاوي دراعه؟
اللي له شوق في حاجة، يورّينا شطارته!

من 23 يوليو 1952، وحتى 30 يونيو 2012، لم يجلس مواطن مصري "مدني" على كرسي الحكم!
ومنذ كتابة تاريخ مصر (الفراعنة) وحتى 30 يونيو 2012، لم يجلس مواطن مصري مدني على كرسي الحكم (الفراعنة كانوا عسكريين، وحتى من حكمونا من المدنيين لم يكونا مصريين!)، شئنا أم أبينا فمرسي هو أول رئيس مصري مدني يأتي بالإنتخاب في تاريخ مصر قديما وحديثاً!
ولأول مرة، تترك المؤسسة العسكرية كرسي "رئيس مجلس إدارة البلاد" لتجلس على كرسي ضمن أعضاء مجلس الإدارة.
هذه حقيقة تاريخية، عليك أن تتعايش معها حتى لو كرهتها!
من يرى أن هناك بديل "ثوري" للتعامل مع المؤسسة العسكرية، فليتفضل بطرحه من خلال تجارب الشعوب والدول!

نحن لا نتحدث عن "أحلام وردية" بل عن حسابات قوة على الأرض.

(السياسة هي فن الممكن)
كيف تعامل أردوجان مع الجيش؟
كيف تعاملت الثورة في البرازيل مع الجيش؟
وكيف تعاملت الثورات في أوكرانيا ورومانيا مع الجيش، وماذا حدث بعدها؟
قد تكون هذه الدعوات من الشباب الثوري حماسية، ولكنها من بعض الرموز السياسية قد تكون دفعاً لمواجهة مع طرف مهم في مثلث الحكم (=الجيش) لضربه، بعد أن فشلت هجمات الإعلام لضرب الطرف الأهم وهو الشعب!
وبعد أن كنّا نسمع "أي حاجة في كيس، المهم أبقى رئيس"
لسان حالهم الآن "أي حاجة في كيس، المهم مرسي مايبقاش رئيس"!!
ويبدو أن شعار المعارضة والشعار الحقيقي لأي جمعة من مظاهراتها هو "فيها لأخفيها"!

آخر حاجة: الطرف الأهم على الإطلاق في هذه المعادلة السياسية، هو الله سبحانه وتعالى!
من يؤمن بأن الله سبحانه وتعالى خلق الكون لم يتركه يدير نفسه بنفسه، وأنه جل وعلا يتدخل بشكل أو بآخر، سيدرك تماماً أن هناك تدابير إلهية تحدث، وأن هناك مكرٌ سيئ من أئمة الكفر كما وصفهم القرآن، وفي المقابل هناك مكرٌ إلهي، وقد يكون من المكر الإلهي أن يقوم الباطل نفسه بإرتكاب حماقات، حتى يتحقق الدعاء "اللهم إجعل تدبيرهم تدميرهم ورد كيدهم في نحرهم".

لماذا الإصرار على إضافة بعد ديني للمشهد السياسي؟
إن شاء الله سيكون هذا موضوع المقال القادم!
عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ،
ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها ،
ثم تكون ملكا عاضّاً فيكون ما شاء الله أن يكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ،
ثم تكون ملكا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ،
ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ثم سكت)
مسند الإمام أحمد

ما نعيشه في ثورات الربيع العربي، قد يكون إرهاصات الخلافة!
في ناس هتهري وتقول يعني مرسي خليفة؟
باقول إرهاصات! دوّر على معناها قبل ما تهري!
وبعدين دي وجهة نظر!

د. أحمد جلال


المراجع:
الربيع العربي والعلاقات المدنية العسكرية

الإنقلاب على الحكم في الإتحاد السوفيتي 1991

الجيوش العربية في عصر الثورات الشعبية

جنرالات تركيا وأردوغان.. هل هي المعركة الأخيرة؟

أردوغان يقلم أظافر الجيش

صراع الديوك بين الجيش وأردوغان

في تركيا.. صراع الدولتين يحتدم!

صراع العسكر مع الحزب الحاكم في تركيا

دروس من رحم الثورات (مارس 2012) قبل إنتخابات الرئاسة